احمد البيلي
34
الاختلاف بين القراءات
رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وقد زعم بعض المفترين أن جبريل كان يأتي بالمعاني ، أما القوالب اللفظية فكانت من صنع محمد صلّى اللّه عليه وسلم وهو قول بيّن الخطأ ، وفي القرآن نفسه ما يدحض هذا ، قال تعالى : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( يونس / 15 ) وقد أسند اللّه تعالى القرآن إليه في كثير من الآيات فمن ذلك قوله تعالى : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ( التوبة / 6 ) وهل يستقيم عقلا أن ينسب اللّه القرآن إليه وليس له فيه إلا المعاني ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم . . . صحيح أن ظاهر قوله تعالى : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( التكوير / 19 ، 20 ) يوهم أن القرآن كلام جبريل عليه السلام . ولكن آيات كثيرة أخرى ، مثل قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( الشعراء / 192 والسجدة / 2 ويس / 5 وغيرها ) تدل على أن الإضافة في « لقول رسول » لأدنى ملابسة . وهي كون القرآن أنزل بوساطة جبريل . وقد صرح ابن عباس وقتادة ، بأن المراد بالرسول هنا « جبريل عليه السلام » وبقولهما أقول للحديث الذي أخرجه ابن عساكر عن معاوية بن قوة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لجبريل : ما أحسن ما أثنى عليك ربك : ذي قوة عند ذي العرش مكين ، ثمّ أمين ، فما كانت قوتك ؟ وما كانت أمانتك ؟ قال : أما قوتي ، فأني بعثت إلى مدائن لوط ، وهي أربع مدائن ، وفي كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري ، فحملتهم من الأرض السفلى حتى سمع أهل السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب ، ثم هويت بهم فقتلتهم . وأما أمانتي ، فلم أومر بشيء فعدوته إلى غيره » « 11 » .
--> ( 11 ) السيوطي : الدرّ المنثور 6 / 321 .